محمد حسين هيكل

168

حياة محمد ( ص )

رسول أبي سفيان إلى قريش أمّا أبو سفيان فكان قد اتصل به خروج محمد لإعتراض قافلته حين رحلتها إلى الشام ، فخاف أن يعترضه المسلمون حين أوبته بعد أن ربحت تجارته ، وجعل ينتظر أخبارهم . وكان الجهنيّ الذي نزل عليه رسولا محمد بالحوراء بعض من سأل . ومع أن الجهنيّ لم يصدقه الخبر فقد بلغه من أمر محمد والمهاجرين والأنصار معه مثل ما ترامى إلى محمد من خيره ؛ فخاف عاقبة أمره أن لم يكن من قريش في حراسة العير إلا ثلاثون أو أربعون رجلا . عند ذلك استأجر ضمضم بن عمرو الغفاريّ فبعثه مسرعا إلى مكة ليستنفر قريشا إلى أموالهم ، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لها في أصحابه . ووصل ضمضم من مكة إلى بطن الوادي فقطع أذني بعيره وجدع أنفه وحوّل رحله ووقف هو عليه وقد شق قميصه من قبل ومن دبر وجعل يصيح . يا معشر قريش ! اللطيمة « 1 » اللطيمة ! أموالكم مع أبي سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه لا أرى أن تدركوها . الغوث الغوث ! وما لبث أبو جهل حين سمعه أن صاح بالناس من عند الكعبة يستنفرهم . وكان أبو جهل رجلا خفيفا حديد الوجه حديد اللسان حديد النّظر . ولم تكن قريش في حاجة إلى من يستنفرها ، وقد كان لكل منهم في هذه العير نصيب . على أن طائفة من أهل مكة كانت تشعر بما ظلمت قريش المسلمين من أهلها حتى أكرهتهم على الهجرة إلى الحبشة ثم الهجرة إلى المدينة ، فكانت تتردد بين النفير للذود عن أموالها والقعود رجاء ألا يصيب العير مكروه . وهؤلاء كانوا يذكرون أن قريشا وكنانة بينهما ثأر في دماء تبادل الفريقان إراقتها . فإذا هي خفت إلى لقاء محمد لمنع عيرها منه خافت بني بكر ( من كنانة ) أن تهاجمها من خلفها . وكادت هذه الحجة ترجح وتؤيد رأي القائلين بالقعود لولا أن جاء مالك بن جعشم المدلجي ، وكان من أشراف بني كنانة ، فقال : أنا لكم جار من أن تأتيكم كنانة من خلفكم بشيء تكرهونه . إذ ذاك رجحت كفة أبي جهل وعامر بن الحضرمي والدّعاة إلى الخروج لدفع محمد والذين معه ، ولم يبق لكل قادر على القتال عذر في التخلف أو يرسل مكانه العاص بن هشام بن المغيرة وكان لطّ « 2 » له بأربعة آلاف درهم كانت له عليه أفلس بها . وكان أمية بن خلف قد أجمع على القعود ، وكان شيخا جليلا جسيما ثقيلا . فأتاه بالمسيجد عقبة بن أبي معيط وأبو جهل ، ومع عقبة مجمرة فيها بخور ومع أبي جهل مكحلة ومرود فوضع عقبة المجمرة بين يديه وقال : يا أبا علي استجمر فإنما أنت من النساء . وقال أبو جهل : اكتحل أبا علي فإنما أنت امرأة . فقال أمية : ابتاعوا لي أفضل بعير في الوادي ، وخرج معهم ؛ فلم يبق بمكة متخلف قادر على القتال . مسيرة جيش المسلمين أما النبي عليه السلام فقد خرج في أصحابه من المدينة ، لثمان خلون من شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة ، وجعل عمرو بن أم مكتوم فيها على الصلاة بالناس ، ورد أبا لبابة من الرّوحاء واستعمله على المدينة . وكانت أمام المسلمين في مسيرتهم رايتان سوداوان ، وكانت إبلهم سبعين بعيرا جعلوا يعتقبونها « 3 » ، كل اثنين منهم وكل ثلاثة وكل أربعة يعتقبون بعيرا ، وكان حظ محمد في هذا كحظ سائر أصحابه ، فكان هو وعليّ بن أبي طالب ومرثد بن أبي مرثد الغنوي يعتقبون بعيرا . وكان أبو بكر وعمر وعبد الرحمن بن عوف يعتقبون

--> ( 1 ) اللطيمة : المال والتجارة . ( 2 ) لط الغريم بالحق : ما طل فيه ومنعه ، ولط حقه جحده . ( 3 ) الاعتقاب هنا : أن يركب الواحد البعير مدة ثم ينزل ليتبعه الآخر فيركبه .